الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
179
نفحات الولاية
وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ ، لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً « 1 » ، وَلَا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً ، وَلَا يَرْجُو فِيهَا مُقَاماً » . إشارة إلى أنّ حبين لا يجتمعان في قلب إنسان . فإن افتتن بالدنيا وأحبّها رحل عن قلبه حبّ اللَّه ونعيم الآخرة ، فما لم يطرد من قلبه حبّ الدنيا لن يحبّ اللَّه . ويصدق هذا المعنى على جميع الأفراد ، وأبرز نموذج لذلك تمثل في حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الذي قال : « ما لِي وَللدُّنيا إنَّما مَثلِي وَمَثَلَها كَمَثلَ الرَّاكبِ رُفِعَتْ لَهُ الشَّجرةُ فِي يَومٍ صائِفٍ فَقَالَ تَحتَها ثُمَّ رَاحَ وَتَركَها » « 2 » . ثم خلص الإمام عليه السلام إلى نتيجة واضحة أنّه طالما كانت الدنيا بهذا الشكل فما كان من النبي صلى الله عليه وآله إلّاأنّ قاطعها : « فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ ، وَأَشْخَصَهَا « 3 » عَنِ الْقَلْبِ ، وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ . وَكَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ ، وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ » . وهنا يطرح هذا السؤال نفسه : لماذا كل هذا الذم والتحقير للدنيا من قبل الإمام عليه السلام ؟ سنرد على هذا السؤال بالتفصيل في آخر الخطبة إن شاء اللَّه .
--> ( 1 ) . « رياش » جمع ريش ، تعني في الأصل ، ريش الطيور ، ولما كان ذلك الريش ثوبه الطبيعي الجميل فإنّها تطلقأحياناً على كل ثوب جميل كما تطلق على كل زينة ، والمعنيان محتملان في العبارة المذكورة ( 2 ) . أصول الكافي ، ج 2 ، ص 134 ( لابدّ من الالتفات هنا إلى أنّ العبارة ( قال تحتها ) من القيلولة ، بمعنى الاستراحة والنوم عند منتصف النهار ) ( 3 ) . « أشخصها » من مادة ( شخوص ) على وزن خلوص ، تعني في الأصل التركيز في النظر على نقطة ، ويفيد عادةالخوف ثم أطلقت على اخراج شخص من مكانه فجأة